#1  
قديم 12-02-2012, 00:39
أبو عبد الله أبو عبد الله غير متواجد حالياً
مدير عام
 
تاريخ التسجيل: 22 - 12 - 2011
الإقامة: الجزائر
المشاركات: 744
أبو عبد الله تم تعطيل التقييم
افتراضي سلسلة شرح (شرح متن الورقات) للحطاب ..للشيخ المختار طيبوي

السلام عليكم ورحمة الله

شرع الشيخ المختار طيبوي في شرح (شرح متن الورقات) للحطاب على صفحة ملتقى طلبة العلم في الفايسبوك بمعدل درس اسبوعيا وسأنزلها لكم تباعا على هذه الصفحة واي اسئلة بخصوص الشرح تطرح على هذه الصفحة وانقلها للشيخ او لمن هو مشارك في الصفحة يطرحها مباشرة عليه

ملاحظة :
- المتن بالاحمر
- الشرح بالاسود
- النقولات بالازرق

سلسلة شرح (شرح متن الورقات) للحطاب 1

" بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد

قال الشيخ الإمام العالم العلامة الحبر الفهامة، مفتي المسلمين ببلد الله الأمين، أبو عبد الله محمد ابن سيدنا ومولانا الشيخ العلامة مُحَمَّد الحَطَّاب1 -نفع الله به آمين-:

[ مقدمة المؤلف ]
الحمدُ لله رب العالمين، والصلاةُ والسَّلام على سيدنا مُحَمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد..
فإنَّ كتابَ الورقات في علم أصول الفقه للشيخ الإمام العلامة، صاحب التصانيف المفيدة، أبي المعالي عبد الملك إمام الحرمين- كتابٌ صَغُرَ حجمُه وكثُر علمُه وعَظُمَ نفعُه وظَهَرَتْ بركته.
وقد شرحه جماعةٌ من العلماء -رضي الله عنهم-، فمنهم مَنْ بَسَطَ الكلام عليه، ومنهم مَنْ اختصر ذلك.
ومن أحسنِ شروحِه شرحُ شيخِ شيوخنا العَلامَةِ المفيد جلال الدين أبي عبد الله محمَّد بن أحمد المَحَلِّي 2 الشافعيّ ، فإنَّه كثيرُ الفوائد والنكت، اشتغلَ به الطلبةُ وانتفعوا به، إلا أنَّه لفرط الإيجاز قَارَبَ أن يكون من جملة الألغاز، فلا يُهْتَدَى لفوائده إلا بتعبٍ وعنايةٍ.
وقد ضَعُفَت الهِمَمُ في هذا الزمان، وكَثُرتْ فيه الهمومُ والأحزان، وقَلَّ فيه المساعدُ من الإخوان، فاستخرتُ اللهَ تعالى في شرح الورقات بعبارة واضحةٍ، مُنَـبِّهَةً على نُكَتِ الشرح المذكور وفوائده، بحيث يكون هذا الشرحُ شرحاً للورقات وللشرح المذكور، ويحصل بذلك الانتفاعُ للمبتدئ وغيرِه إن شاء الله تعالى.
ولا أعدِلُ عن عبارة الشرح المذكور إلا لتغييرها بأوضحَ منها، أو لزيادة فائدةٍ، وسَمَّيْتـُهُ ﴿قُرَّةَ العَيْنِ لشَرْحِ وَرَقَاتِ إمَامِ الحَرَمَيْنِ﴾.
واللهُ سبحانه المسؤول في بلوغ المأمول، وهو حسبي ونعم الوكيل.

[ترجمة الإمام الجويني] 3
ولنقدم التعريف بالمُصَنِّف على سبيل الاختصار فنقول:
هو الشيخُ الإمامُ، رئيسُ الشافعية، وأحدُ أصحاب الوجوه، وصاحب التصانيف المفيدة، أبو المعالي عَبْدُ الملك ابن الشيخ أبي محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الـجُوَيْني، نسبةً إلى جوين، وهي ناحيةٌ كبيرة من نواحي نيسابور، يلقب بضياء الدين.
ولد في المحرَّم من سنة تسعة عشر وأربعمائة، وتُوُفِّي بقرية من أعمال نَيْسَابُور يقال لها: بُشْـتَنِقَان 4 ليلة الأربعاء، الخامس والعشرين من شهر ربيع الثاني سنة ثمانٍ وسبعين وأربعمائة.
جَاوَرَ بمكة والمدينة أربع سنين يدرس العلم ويفتي، فَلُقِّبَ بإمام الحرمين، وانتهت إليه رئاسة العلم بنيسابور، وبُنِيَت له المدرسة النظامية 5 ، وله التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها 6 ، تَغَمَّدَهُ الله برحمته، وأعاد علينا من بركاته، آمين. "

الهوامش :
-1 هو الإمام العلامة الأصولي الفقيه النحوي الولي الصالح، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن حسين الرُّعَيْنيّ، المغربي الأصل، ينحدر من أصل أندلسي، المالكي المذهب، المكي المولد والوفاة.

ولد ليلة الأحد ثامن عشر من شهر رمضان المبارك، سنة اثنين وتسعمائة للهجرة.

نشأ نشأة صالحة، حيث رباه والده الولي الصالح، فقرأ على والده العلوم، ونهل منه الفنون، وكان إمامنا محباً للعلم ومثابراً عليه، محققاً فاضلاً، لا يمل ولا يكل.

ألّف في فنون العلم، فكتب في الفقه وأصوله، والنحو والمواريث، وغير ذلك.

وتوفي رحمه الله يوم الأحد تاسع ربيع الثاني، سنة أربع وخمسين وتسعمائة للهجرة، بمكة المكرمة.
و انظر في ترجمة هذا الإمام مقدمة الدكتور أحمد سحنون، لكتاب "تحرير المقالة في شرح نظائر الرسالة"، من مؤلفات الإمام الحطاب، ص 87-125، فقد ذكر الكثير من جوانب حياة هذا الإمام، وذكر مصنفاته، المطبوع منها والمخطوط.

2- هو الإمام جلال الدين محمد بن أحمد بن محمد المـَحَلِّي، الفقيه الشافعي، ولد سنة 790 هـ، وتوفي سنة 864 هـ، من تصانيفه: الأنوار المضية في مدح خير البرية صلى الله عليه وآله وسلم، وشرح جمع الجوامع للتاج الدين السبكي، وتفسير القرآن إلى سورة الإسراء، وأكمله الإمام السيوطي، وغيرها، انظر هدية المؤلفين لإسماعيل باشا (6/202).

3- انظر ترجمة إمام الحرمين رحمه الله تعالى في طبقات الشافعية الكبرى، للإمام تاج الدين السبكي (5/165)، فقد استوفى ترجمته بما لا تجده في مكان آخر، ورد على من حاول انتقاص هذا الإمام الجليل.

4 - جاءت في الأصل: بنشقال، وهو تحريف، والصواب ما أثبته من طبقات الشافعية (5/181).

5- المدرسة النظامية تنسب إلى نظام الملك، وهو الوزير الكبير العالم العادل، ناصر السنة أبو علي الحسن ابن علي بن إسحاق الطوسي الشافعي، ولد سنة 408 هـ، واستشهد في العاشر من رمضان سنة 485هـ على أيدي الباطنية الإسماعيلية، وهم طائفة كافرة مارقة عن الدين، وانظر لزاماً طبقات الشافعية الكبرى (4/309

6- منها كتاب (البرهان في أصول الفقه) وهو من أهم كتب الأصول، وقد طبع بتحقيق الدكتور عبد العظيم ديب، في مجلدين، وله أيضاً في العقائد كتاب (الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد) و(العقيدة النظامية)، وغيرها

...............................


شرحُ ( قُرَّةُ العَين لِشَرحِ وَرَقَاتِ إمَامِ الحَرَمَيْنِ) للحطاب
شَرحُ شَرحِ الحَطَّابِ عَلَى شَرحِ المَحَلِّي لِوَرَقَاتِ الجُوينِي
بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ وَحدَهُ، و الصَّلاةُ و السَّلامُ على من لا نبيَّ بعدَهُ.
تعريفُ الحَطَّابِ:
هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن حسين الرُّعَينِّي، المغربي الأصل، ينحدر من أصل أندلسي،المالكي المذهب،ولد ليلة الأحد 18 من شهر رمضان 902ه ،وتوفى يوم الأحد 09 من شهر ربيع الثاني 954 ه ولد ومات بمكة المكرمة ،وقيل ولد بطرابلس الغرب.
فقيه مالكي، من علماء المتصوفين، ألف في الفقه و أصوله،و النحو، و المواريث،كان في زمن ابن حجر الهيثمي، وتشارك معه بعض التلامذة مثل : أَبِي السعادات مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَليّ الفاكهي الْمَكِّيّ الْحَنْبَلِيّ،ولده الشيخ يحي الحطاب المالكي.
من تآليفه: "المُتممة"، و"شرح مُخْتَصر خَلِيل" المسمَّى (مواهبُ الجليل شرحُ مختصرِ خليل) في ستِ مُجلدات، وهو أكثرُ الشرُوحِ تحريرًا و إتقانًا، استمدَّ منهُ كلُّ من شرحه بعده ، وعليه اعتمدَ البُنَانِيُّ، وابن سَودَة، والرَّهُونِيُّ (شارحُ ابن الحاجب الأصلي و الرسالة)، في كثيرٍ من تعقيباتِهم على الزَّرقَانِيِّ.
وكذلك من الشروح الجيدة لمختصر خليل شرح أبي عبد الله محمَّد المواق.
من كتبه كذلك: (قرَّة العين بشرح ورقات إمام الحرمين) في الأصول،وهو الذي نشرع في شرحه، و (تحرير الكلام في مسائل الالتزام) فيه كلام تفصيلي على الفروع المذكورة عند الشاطبي في ( الموافقات) ،و (هداية السالك المحتاج) في مناسك الحج، و (تفريح القلوب بالخصال المكفرة لما تقدم وما تأخر من الذنوب) ، و (شرح نظم نظائر رسالة القيرواني، لابن غازي) ،ورسالة في (استخراج أوقات الصلاة بالأعمال الفلكية بلا آلة)، وجزآن في (اللغة)، وله (رسالة في بيعِ الأحباس).

مقدمة الحطاب :
قال الحطاب : الحمد لله رب العالمين،و الصلاة و السلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد...
فإن كتابَ (الورقات) في علم أصول الفقه للشيخ الإمام العلامة ،صاحب التصانيف المفيدة أبي المعالي عبد المالك إمام الحرمين ـ كتابٌ صغُرَ حجمُه، وكثُر علمُه، وعَظُمَ نفعُه، وظهرت بركتُه.
وقد شرحه جماعةٌ من العلماء ـ رضي الله عنهم ـ فمنهم من بَسَطَ الكلام عليه،ومنهم من اختصر ذلك.
ومن أحسنِ شروحِه شرحُ شيخِ شيوخنا العلَّامةِ المفيد جلال الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد المَحَلِّي الشافعي،فإنه كثيرُ الفوائد والنكت،اشتغل به الطلبةُ و انتفعوا به،إلا أنه لفرط الإيجاز قَارَبَ أن يكون من جملة الألغاز،فلا يُهْتَدَى لفوائده إلا بتعبٍ و عنايةٍ.

قلت: أوَّلا: لا يزال العلماء يشرح اللاحق منهم كلام السابق،والشرح معناه : (البيان و الإيضاح)،وهو حقيقة في الأعيان كقولهم: شرحت اللحم، أي: قطعته إلى شرائح.
وفيه معنى التوسيع و البسط، ومن هذا قولهم: شرح الله صدره،أي: وسَّعه، وأذهب عنه الضيق.
وشرحت الموضوع،أي: وسعته بالبيان، ومن هنا كان في المعاني استعارة.
وشروح العلماء تختلف باختلاف مقاصدهم، وقدراتهم العلمية، وسعة ثقافتهم،فمنهم صاحب الهمة العالية،واسع الاطلاع ،جم المعارف ،يُغنِي شرحه بالفوائد العلمية المختلفة ،و التحقيقات الدقيقة.
ومنهم المتقيَّد بشرح عبارات صاحب المتن، وربما التفريع عليها، وضرب الأمثلة، يختار منها ما يستطيع شرحه و التعليق عليه.
وأهم ما يجب أن يكون متوفرا في الشارح هو أن يكون مشاركا في العلم الذي يشرحه، خبيرا بمذاهبه،عالما بمسالكه ،ومدارسه وطرائقه،مميِّزا بين ما يصلح لطالب العلم ليعمل به ويطبقه، وبين ما هو فضلى .

ثانيا: عُرفت كتب العلماء في بعض الفترات بالإيجاز الشديد الذي يصعب معه على المبتدئ الفهم ككتاب"شرح المنهاج"للبيضاوي،ولم ينتبه بعض الأفاضل قديما وحديثا إلى الفرق بين الإيجاز و الاختصار للصياغة،فالإيجاز يتنافى مع قصد التعليم للمبتدئ ذلك أن الإيجاز هو: ((أداء المقصود بأقل من العبارة المتعارف عليها)) كما عرَّفه العلماء.
و طالب العلم المبتدئ يجد صعوبة في فهم العبارات المتعارف عليها المشهورة فكيف بما هو دونها(؟!)
بينما الاختصار لصياغة المعرفة في عبارات مفهومة قليلة، يسهل حفظها، يقع وسط بين الإيجاز وبين الإطناب الذي هو(( أداء المقصود بأكثر من العبارة المتعارفة)).
وبين الاختصار و الإيجاز فروق، لأن الاختصار يكون بحذف بعض الكلام، بينما الإيجاز يكون بالقصر دون الحذف.
ومعنى الِاخْتِصَار ـ كما ذكر الكفوي ـ : ((تقليل المباني مَعَ إبْقَاء الْمعَانِي، أَو حذف عرض الْكَلَام))
وَهُوَ جلّ مَقْصُود الْعَرَب، وَعَلِيهِ مبْنى أَكثر كَلَامهم، وَمن ثمَّة وضعُوا الضمائر لِأَنَّهَا أخصر من الظَّوَاهِر خُصُوصا ضمير الْغَيْبَة، فَإِنَّهُ فِي قَوْله تَعَالَى: {أعد الله لَهُم مغْفرَة} قَامَ مقَام عشْرين ظَاهرا [كَمَا قَالَ بعض الْمُحَقِّقين]
والاختصار أَمر نسبي(.....) وَقد أَكْثرُوا من الْحَذف، فَتَارَة لحرف من الْكَلِمَة، وَتارَة للكلمة بأسرها، وَتارَة للجملة كلهَا، وَتارَة لأكْثر من ذَلِك، وَلِهَذَا تَجِد الْحَذف كثيرا عِنْد الاستطالة كحذف عَائِد الْمَوْصُول فَإِنَّهُ كثير عِنْد طول الصِّلَة.اهـ
و يوجد أنواع من الإيجاز منها،يقول الكفوي في (الكليات):
إيجاز الْقصر: هُوَ أَن يقصر اللَّفْظ على مَعْنَاهُ كَقَوْلِه {إِنَّه من سُلَيْمَان} إِلَى قَوْله: {وأتوني مُسلمين} جَمِيع فِي أحرف العنوان وَالْكتاب وَالْحَاجة.
وإيجاز التَّقْدِير: هُوَ أَن يقدر معنى زَائِد على الْمَنْطُوق، وَيُسمى بالتضييق أَيْضا نَحْو: {فَمن جَاءَهُ موعظة من ربه فَانْتهى فَلهُ مَا سلف} أَي: خطاياه غفرت فَهُوَ لَهُ لَا عَلَيْهِ.

وعليه فالذي نبحث عنه عند اختصار المعرفة و إيجازها هو صياغتها في عبارات بسيطة قليلة تؤدي المعنى بغير إطناب، وتحصر المعنى، ويسهل حفظها، مثل بعض القواعد الفقهية كقولهم: " اليقين لا يزول بالشك" ،"المشقة تجلب التيسير".
أو الكلمات النبوية الجامعة كقوله صلى الله عليه وسلم : "لاضرر ولا ضرار"،"على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين" وغيرها.
وهذا يرجع إلى اقتدار المؤلف، الأمر الذي نجده في هذا المتن الذي كتبه إمام الحرمين ـ رحمه الله ـ فإنه لخص بعض الفصول من أصول الفقه في أحسن الألفاظ، وأوجز العبارات،فهو من أحسن المختصرات في أصول الفقه ، لا يضاهيه متن ولا نظم.
لكن بعضها أوسع منه فصولا أو كثر تبويبا مثل:" منظومة مرتقى الوصول إلى علم الأصول" لمحمد بن عاصم الأندلسي،و"مراقي السعود لمبتغي الرقي و الصعود في أصول الفقه" لعبد الله بن الحاج إبراهيم الشنقيطي،و" جمع الجوامع " لتاج الدين عبد الوهاب بن أبي الحسن السبكي ،نظمه السيوطي في "الكوكب الساطع نظم جمع الجوامع" وهو أجمعها وأوسعها.
فالكتب المختصرة في أصول الفقه كثيرة سواء عند المتقدمين أو عند المتأخرين ،ومنها:
"رسالة في أصول الفقه" لأبي علي الحسن العكبريّ الحنبلي (المتوفى: 428هـ)
و"المحصول في أصول الفقه" لأبي بكر بن العربي المالكي، وهو جيد جدا،و المفضل لدي .
كذلك "المختصر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل" لابن اللحام مفيد في بابه.
و"غاية الوصول في شرح لب الأصول" لزكريا السنيكي.
و"رسالة لطيفة جامعة في أصول الفقه المهمة" لعبد الرحمن السعدي.
و"الأصول من علم الأصول" لمحمد بن صالح العثيمين
و"تلخيص الأصول" لحافظ ثناء الله الزاهي، وهو مختصر جدا لا يكاد يتجاوز تعريف بعض المسائل جملة واحدة.
فكل هذه ملخصات جيدة معينة لطالب العلم المبتدئ لتصور مسائل أصول الفقه و الاستئناس بمصطلحاته.

ويُعرِّف العلماء الاقتدار بأنه: ((قدرة المتكلم على إبراز المعنى الواحد في عدَّة صور اقتدارا منه على نظم الكلام وتركيبه على صياغة قوالب المعاني و الأغراض))، فتارة يأتي به في لفظ الاستعارة،وتارة في صورة الإرداف.
وعليه فكثير من كتب القدماء خاصة في علم أصول الفقه لا تحتاج إلى إيجاز أو اختصار عادي بل إلى إعادة الصياغة وفقا للغة العصر وأساليب بيانه.
إن صياغة المعرفة في عبارات موجزة يسهل عملية تقعيدها في قواعد مضبوطة بحيث يتمكن الطالب من التزام الصحة في استدلاله، لأن الصحيح هو ما كان موافقا للقواعد، فليس عليه أن يتيه في المعرفة غير المضبوطة ليصوغها من جديد و يستنبط قواعدها، بل هذا عمل يقوم به الرواد الأوائل يصوغون المعرفة في قواعدها المبرهنة، أما طالب العلم فعليه التزام صحة الاستدلال وفقا لهذه القواعد تماما كما صنع المسلمون في علمي أصول الفقه و الحديث صاغوا المعرفة الطويلة و المعقدة في عبارات موجزة سموها فيما بعد بالمصطلح.
ولذلك لما كانت المعرفة الغربية غير مصاغة كانت الاكتشافات العلمية تظهر بوتيرة ثقيلة، ولما تم صياغة المعرفة و تقسيم العلوم و تحديد مبادئ كل علم، صارت الاكتشافات العلمية و الاختراعات تظهر بوتيرة سريعة ومرتفعة، لأن رجال التقنية لم يعودوا في حاجة إلى تقنين العلوم بقدر ما صاروا يلتزمون صحة الاستدلال، وبين فترة و أخرى تفرض التجربة و البحث تجديد هذه القواعد العلمية.
فنحن بدلا من أن نكرر ما قام به سلفنا، و برعوا فيه، و حققوه ،علينا دراسته و تقييمه، ثم بعد ذلك إثراءه وتبسيطه، فقد قام مثلا علماء الحديث بجمع الحديث و تبويبه وترتيبه و تقييمه و شرحه، و بقيت مساحة ضيقة للمخالفة يقوم بها الخبراء به من كل عصر، أما عموم الأمة و عموم أهل العلم فإنهم يستغلون مجهود الأوائل للانطلاق نحو إثراء المعرفة الإسلامية، و لا يحاولون تكرير ما قام به القدماء، ولا هو في الحقيقة واقع داخل قدراتهم.

قال ابن خلدون في ( تاريخه)(1/723) عن كثرة الاختصارات المؤلفة في العلوم بأنها مخلة بالتعليم:
((ذهب كثير من المتأخّرين إلى اختصار الطّرق والأنحاء في العلوم يولعون بها ويدوّنون منها برنامجا مختصرا في كلّ علم يشتمل على حصر مسائله وأدلّتها باختصار في الألفاظ وحشو القليل منها بالمعاني الكثيرة من ذلك الفنّ. وصار ذلك مخلّا بالبلاغة وعسرا على الفهم.
وربّما عمدوا إلى الكتب الأمّهات المطوّلة في الفنون للتّفسير والبيان فاختصروها تقريبا للحفظ كما فعله ابن الحاجب في الفقه، وابن مالك في العربيّة، والخونجيّ في المنطق وأمثالهم، وهو فساد في التّعليم، وفيه إخلال بالتّحصيل وذلك لأنّ فيه تخليطا على المبتدئ بإلقاء الغايات من العلم عليه وهو لم يستعدّ لقبولها بعد وهو من سوء التّعليم كما سيأتي، ثمّ فيه مع ذلك شغل كبير على المتعلّم بتتبّع ألفاظ الاختصار العويصة للفهم بتزاحم المعاني عليها وصعوبة استخراج المسائل من بينها. لأنّ ألفاظ المختصرات تجدها لأجل ذلك صعبة عويصة فينقطع في فهمها حظ صالح عن الوقت. ثمّ بعد ذلك فالملكة الحاصلة من التّعليم في تلك المختصرات إذا تمّ على سداده ولم تعقبه آفة فهي ملكة قاصرة عن الملكات الّتي تحصل من الموضوعات البسيطة المطوّلة لكثرة ما يقع في تلك من التّكرار والإحالة المفيدين لحصول الملكة التّامّة. وإذا اقتصر على التّكرار قصّرت الملكة لقلّته كشأن هذه الموضوعات المختصرة فقصدوا إلى تسهيل الحفظ على المتعلّمين فأركبوهم صعبا يقطعهم عن تحصيل الملكات النّافعة وتمكّنها. «ومن يهد الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له» . والله سبحانه وتعالى أعلم)).


وبمنهجية علمية فائقة لم يكتف ابن خلدون ـ رحمه الله ـ بنقد طريقة الاختصار بل اقترح البرنامج و الطريقة المثلى في طلب العلم،والتي سأعرضها في مقال "برامج طالب العلم".
فهذا ما يخصُّ ايجابيات و سلبيات الإيجاز و الاختصار ،و الهدف العلمي منهما .

انتهى الدرس الاول .....يتبع
بحول الله

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 12-02-2012, 11:15
يوسف الجزائري يوسف الجزائري غير متواجد حالياً
مديـر عـام
 
تاريخ التسجيل: 22 - 12 - 2011
الإقامة: الجزائر
المشاركات: 1,965
يوسف الجزائري is on a distinguished road
افتراضي

جزاك الله خيرا ابا عبد الله

__________________
‎~ رَبـَّـاهْ ~
أَوْلَيْتَـني نِعَـمًا أَبُوحُ بِشُكْرِهَـا ...... وَكَفَيْتَني كُـلَّ الأُمُورِ بِأَسْرِهَا
فَلأَشّكُرَنّكَ مَا حَيِيتُ وَإِنْ أمُت ...... فَلَتَشْكُرَنَّكَ أَعْظُمِيْ في قَبْرِهَا



رد مع اقتباس
  #3  
قديم 12-02-2012, 11:44
سمير سمير غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 27 - 12 - 2011
الإقامة: الجزائر من العاصمة
المشاركات: 692
سمير is on a distinguished road
افتراضي

بارك الله فيك يا أخي العيد

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 21-02-2012, 02:11
أبو عبد الله أبو عبد الله غير متواجد حالياً
مدير عام
 
تاريخ التسجيل: 22 - 12 - 2011
الإقامة: الجزائر
المشاركات: 744
أبو عبد الله تم تعطيل التقييم
افتراضي


سلسلة شرح (شرح متن الورقات) للحطاب 2
قال المصَنِّفُ رحمه الله تعالى:
(بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ) أُصَنِّفُ، وكذا ينبغي أن يُجعَلَ متعلَّقَ التَّسميةِ ما جُعِلَت التسمية مبدأً له، فيقدِّر الآكلُ: بسم الله آكل، والقارئُ: بسم الله أقرأ، فهو أولى من تقدير: أبتدىء، لإفادته تَلَبُّسَ الفعل كله بالتسمية، وأبتدئ لا يفيد إلا تلبس الابتداء به.
وتقدير المتعلق متأخراً لأنَّ المقصود الأهم البداءة باسم الله تعالى، ولإفادة الحصر.
وابتدأ المصنِّف بالبسملة اقتداء بالقرآن العظيم، وعملاً بحديث: ﴿كلُّ أمرٍ ذي بال لا يُبْدَأُ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر﴾، رواه الخطيب في كتاب (الجامع) بهذا اللفظ 1.
واكتفى بالبسملة عن الحمدلة إما لأنه حَمَدَ بلسانه، وذلك كافٍ، أو لأنَّ المراد بالحمد معناه لغةً، وهو الثناء، والبسملة مُتَضَمِّنَةٌ لذلك، أو لأن المراد بالحمد ذكر الله تعالى.
وفي رواية في مسند الإمام أحمد: ﴿كل أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله فهو أبتر -أو قال: أقطع -﴾ على التردد 9.
وقد ورد الحديث بروايات متعددة، قال النووي: وهو حديث حسن.
فلما اكتفى بالبسملة عن الحَمْدَلة قال: (هذه وَرَقَاتٌ) قليلة، كما يشعر بذلك جمعُ السلامة، فإن جموع السلامة عند سيبويه من جموع القِلَّة.
وعَبَّر بذلك تسهيلاً على الطالب وتنشيطاً له، كما قال تعالى في فرض صوم شهر رمضان: ﴿أيَامَاً مَعْدُودَات﴾ فوصف الشهر الكامل بأنَّه أيام معدودات، تسهيلاً على المكلفين وتنشيطاً لهم، وقيل: المراد في الآية بالأيام المعدودات عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، فإن ذلك كان واجباً أول الإسلام ثم نسخ.
والإشارة بـ (هذه) إلى حاضرٍ في الخارج إن كان أتى بها بعد التصنيف، وإلا فهي إشارة إلى ما هو حاضرٌ في الذهن.
وهذه الورقات (تَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ) جمع فَصْلٍ، وهو اسمٌ لطائفة من المسائل تَشْتَرِكُ في حكمٍ.
وتلك الفصول (من) علم (أصول الفقه) ينتفع به المبتديء وغيره.

[تعريف أصول الفقه]

(وذلك) أي لفظ أصول الفقه له معنيان:
أحدهما: معناه الإضافي، وهو ما يُفْهَمُ من مُفْرَدَيْه عند تقييد الأول بإضافته للثاني.
وثانيهما: معناه اللَّـقَبِيّ، وهو العَلَم الذي جُعِل هذا التركيب الإضافي لقباً له، ونُقِل عن معناه الأول إليه، وهذا المعنى الثاني ذكره المصنف بعد هذا في قوله: (وأصول الفقه طرقه على سبيل الإجمال) إلخ.
والمعنى الأول هو الذي بينه بقوله: (مُؤَلَّفٌ مِنْ جَزْأَيْنِ)، من التأليف، وهو حصول الألفة والتناسب بين الجزأين، فهو أخص من التركيب الذي هو ضَمُّ كلمةٍ إلى أخرى، وقيل: إنهما بمعنى واحد.
وقوله: (مُفْرَدَيْنِ) من الإفراد المقابل للتركيب، لا المقابل للتثنية والجمع، فإن الإفراد يطلق في مقابلة كلٍّ منهما، ولا تصلح إرادة الثاني هنا لأن أحد الجزأين الذين وصفهما بالإفراد لفظ (أصول) وهو جمع، وفي كلامه إشارة لذلك حيث قال:

[ تعريف الأصل]

(فالأصْلُ مَا بُنِىَ عليهِ غَيْرُهُ)، أي فالأصل الذي هو مفرد الجزء الأول، ما بُني عليه غيره، كأصل الجدار أي أساسه، وأصل الشجرة أي طرفها الثابت في الأرض.
وهو أقرب تعريف للأصل؛ فإن الحسَّ يشهد له كما في أصلِ الجدار والشجرة.
فأصول الفقه أدلته التي يبنى عليها.
وهذا أحسن من قولهم: الأصل هو المحتاج إليه، فإن الشجرة محتاجة إلى الثمرة من حيث كمالها، وليست الثمرة أصلاً للشجرة.
ومن قولهم 3 : الأصل ما منه الشيء، فإن الواحد من العشرة وليست العشرة أصلاً له.

ولما عرَّفَ الأصلَ عرَّفَ مقابِلَه وهو الفرعُ على سبيل الاستطراد فقال: (وَالفَرْعُ مَا يُبْنَى على غَيرِهِ) كفروع الشجرة لأصولها، وفروع الفقه لأصوله.




الهوامش :

1 الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/69)، وهذا الحديث بهذا اللفظ واه جداً، انظر جزء: الاستعاذة والحسبلة ممن صحح حديث البسملة، لخاتمة الحفاظ السيد أحمد بن الصديق الغماري رحمه الله، وأما بلفظ "الحمد لله" فهو حسن كما سيذكر المصنف بعد قليل.

2 انظر المسند (2/359).



الشرح :

بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ وَحدَهُ، و الصَّلاةُ و السَّلامُ على من لا نبيَّ بعدَهُ.
قال الحطاب: وقد ضَعُفَت الهِمَمُ في هذا الزمان، وكَثُرت فيه الهمومُ و الأحزانُ ،وقلَّ فيه المساعدُ من الإخوان ،فاستخرتُ الله تعالى في شرحِ (الورقات) بعبارة واضحةٍ ،مُنَبِّهَةً على نُكَتِ الشرح المذكور وفوائِدِه،بحيث يكون هذا الشَّرحُ شرحًا للورقات و للشَّرح المذكور،ويحصل بذلك الانتفاعُ للمبتدئ وغيره إن شاء الله تعالى.
قلت: هذه أم المشاكل عند طالب العلم (كيف يحصل الهمة ثم كيف يحافظ عليها) فأكثر الناس يعاني من ضعف الهمة و انفساخ العزائم بسرعة و بعضهم يهم يوما ويفشل في آخر،أصعب شيء عليه الحفاظ على وتيرة مضبوطة ولذلك تجده ينتقل من برنامج إلى برنامج.
الهمة كما عرَّفها الجرجاني في (التعريفات): توجه القلب وقصده بجميع قواه الروحانية [النفسانية] إلى جانب الحق؛ لحصول الكمال له أو لغيره.

يحتاج طالب العلم إلى جمع همته على برنامج علمي واضح، وأن يثبت عقله عليه، ويدفع تفرق و تشتت عقله في أودية الخواطر ،لأنه بدون جمع الهمة وتركيزها على علم من العلوم لا يتفرغ القلب لما يلقى فيه،وتصير الدراسة أشبه بإفراغ الماء في دلو مثقوب ،ومن هنا نجد ما يشتكي منه طلبة العلم من النسيان، و صعوبة الحفظ ، و العجز عن التركيز.
وحتى تتحول الهمة إلى إرادة جازمة منتجة لفعل ومؤثرة يجب أن تقترن بها القدرة ،فالهمة لا تصير عزما بدون قدرة،و الداعي إلى استسهال السهر و الحفظ و التكرار و الانتقال من بلد إلى بلد و الصبر على قسوة الشيوخ هو علو الهمة فهو الباعث على التقدم و مكابدة الصعاب، وكذلك شريف النفس يأبى خمول الضَّعة و يستنكر مهانة النَّقص.
قال الْمُتَنَبِّي:
لَوْلَا الْمَشَقَّةُ سَادَ النَّاسُ كُلُّهُمْ *** الْجُودُ يُفْقِرُ وَالْإِقْدَامُ قَتَّالُ
وَلَهُ أَيْضًا:
وَإِذَا كَانَتْ النُّفُوسُ كِبَارًا *** تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الْأَجْسَامُ


قال ابن القيم في (بدائع الفوائد): (( العلم والعمل توأمان أمهما علو الهمة، الجهل والبطالة توأمان أمهما إيثار الكسل))[ هذه كلمة قالها ابن الجوزي في (المدهش)]

إن علم أصول الفقه من أعظم علوم الاجتهاد التي نعرف بها الحق من الباطل،ونميِّز بها الصواب من الخطأ،وبدونها يكون طالب العلم مهما بلغ في فنه الذي يتقنه مقلدا يقرُّ على نفسه بانه لا يفهم حجج القرآن و السنة و لا يفهم تعليلات العلماء و غايته تقليد بعض العلماء وقوبل قولهم من غير فهم حقيقي لحججهم ومن كانت له نفس عزيزة لا يرضى بهذا أبدا.
فشرف النفس و علو الهمة يوجبان وجود الرغبة القوية في نيل العلم و معرفة مذاهبه و القدرة على الترجيح بينها وليس هذا إلا بعلوم الاجتهاد و أهمها على الإطلاق أصول الفقه ، فكل من لا يقبل على هذه العلوم إقبالا كليا بحجة من الحجج فإنما يعلل نفسه وفشله بما لا يغني عند ساعة الجد و الحقيقة وقد فاته سلم الارتقاء في منازل العلماء.
و أنصحكم بقراءة الكتاب الرائع (أدب الطلب ومنتهى الأدب) للعلامة الشوكاني.

ومن النصائح العملية الثمينة في باب الهمة في طلب العلم التي وقفت عليها نصيحة العلامة محمد صالح العثيمين،فأنقلها بتمامها:
(( فضيلة الشيخ: يلاحظ ضعف الهمة والفتور في طلب العلم، فما الوسائل والطرق التي تدفع إلى علو الهمة والحرص على العلم؟
فأجاب حفظه الله ورعاه بقوله: ضعف الهمم في طلب العلم الشرعي من المصائب الكبيرة وهناك أمور لا بد منها:
الأمر الأول: الإخلاص لله عز وجل في الطلب، والإنسان إذا أخلص لله في الطلب، وعرف أنه يُثاب على طلبه ،وسيكون في الدرجة الثالثة من درجات الأمة فإن همته تنشط {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] .
ثانيا: أن يُلازم زملاء يحثونه على العلم، ويساعدونه على المناقشة والبحث، ولا يمل من صحبتهم ما داموا يعينونه على العلم.
ثالثا: أن يصبر نفسه بمعنى يحبسها لو أرادت أن تتفلت، قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 28] .
فليصبر؛ وإذا صبر وتعود الطلبة صار الطلب سجية له وصار اليوم الذي يفقد فيه الطلب يومًا طويلا عليه، أما إذا أعطى نفسه العنان فلا، فالنفس أمارة بالسوء والشيطان يحثه على الكسل وعدم التعلم. كتاب العلم)).


الهمة العالية التي تجعل طالب العلم يرحل المسافات، و يسهر الليالي هي راية الجد وعنوان الفلاح وعلامة طلب المعالي و عزة النفس و اشتياقها للفضائل.
فمن كانت له همة عالية أدَّب نفسه ،وهذب أخلاقه، وقوَّم عقله ، و كبل نفسه الجامحة عن المعرفة النافرة عن التأديب ، فالنفس مطبوعة على الكسل و الخمول وبدون همة تجبرها أخلدت للدعة و الراحة بحجة أن هذا العلم معقد، ولا يحتاج إليه ،و أنا أحب الأثر و غير ذلك من أسباب واهية.
و الناس في باب الهمة في طلب العلم كما هم في الحق أكثرهم يعرفه ولكنه يضعف عن اتباعه و الالتزام بموجباته ، فكذلك أهمية علوم الاجتهاد بالنسبة لطالب العلم لكنه يفتقد للهمة
وعليه، فالهمة العالية صفة للنفس الشريفة العزيزة تراها طالبة للآداب راغبة في الفضائل ،وقيل لبعض الحكماء: من أسوأ الناس حالا؟
فقال: من بعدت همَّته، و اتَّسعت أمنيته،وقصرت آلته،وقلت مقدرته.( الماوردي في "آداب الدنيا و الدين").

ومن همم أهل العلم ما ذكره جمال الدين القاسمي في كتابه( الفضل المبين) قال: ((وقد اتفق لي بحمده تعالى قراءة ((صحيح مسلم)) بتمامه روايةً في أربعين يومًا، وقراءة ((سنن ابن ماجه)) كذلك في واحدٍ وعشرين يومًا، وقراءة ((الموطَّأ)) كذلك في تسعة عشر يومًا، وقراءة ((تهذيب التهذيب)) مع تصحيح سهو القلم فيه وتَحْشيته في نحو عشرة أيام))

وهذا الشيخ محمد بدر الدين الحسني العلامة المحدِّث (حفظ الصحيحين غيبًا بأسانيدهما، ونحو ((20 ألف)) بيت من المتون العلمية) ، كان شديد التشاغل بالعلم والعكوف على طلبه والانقطاع إليه، حتى بلغ من ذلك شيئًا عظيمًا، قال الشيخ علي الطنطاوي -رحمه الله- ((بل كان يجلس في الليل ليقرأ، فإذا غلبه النُّعاس اتكأ برأسه على وسائد أُعِدت له، فأغفى ساعتين أو ثلاثًا من الليل متقطعات، ومن النهار ساعة)) . (المشوق إلى القراءة وطلب العلم) لعلي العمران.

قال أبو الوليد الباجي( ترتيب المدارك)(8/125):
إذا كنتُ أعلمُ عِلْمًا يقينًا *** فَلِمْ لا أكُون ضَنِنًا بِها
بأنَّ جميعَ حياتي كَساعَهْ *** وأَجْعَلُها في صلاحٍ وطاعَهْ


قال العلامة المقريزي -رحمه الله-:
وقد أعْرضَتْ نفسي عن اللهوِ جُملةً *** وصارَ -بحمدالله- شُغلي وشاغلي
فطورًا يراعي كاتبٌ لفــــــــــــــوائدٍ *** وآونةً للعـــــــــــلمِ صدريَ جامعٌ
ومَلَّتْ لقاءَ الناسٍ حتَّى وإن جلُّوا *** فوائد علمٍ لستُ من شُغْلِها أخْلُو
بصحَّتِها قد جاءنا العقــــــلُ والنقْلُ *** فتزكو به نفسي وعن همِّها تسْلُو


قال ابن القيم -رحمه الله-: ((وأما عُشَّاق العلم فأعظم شغفًا به وعِشْقًا له من كلِّ عاشقٍ بمعشوقه، وكثيرٌ منهم لا يَشْغَلُه عنه أجملُ صورةٍ من البشر)) اهـ.
وقال -أيضًا-: ((ولو صُوِّر العلمُ صورةً، لكانت أجملَ من صورة الشمس والقمر)) اهـ.

لقد كنا في بداية الطلب شبابا ندرس في المتوسطة في مدينتنا وكنا أول من التزم ،كنا خمسة أولاد و بنتا واحدة، نقتطع من مصروفنا و نعمل في فصل الصيف لاقتناء الكتب ، عندما نشتري كتابا بمجرد أن يصبح في ملكنا لا نضعه عن أيدينا حتى ننهي قراءته.
إن إذكاء علو الهمة ،لتنمية المواهب مهم لطالب العلم حتى لا تخبو الشعلة في قلبه و ينطفئ السراج ،فأحسن طرق التعلُّم استفزاز النفس فإنها متى استفزت صارت معك ،وإن لها لطاقة عجيبة،عندما كنت ادخل في معارك المناظرات و الردود يصير جسمي كتلة واحدة ، من كل أعضائي لا أشعر إلا بعنيي و يدي اللتين تكتبان أتجرد تماما من كل جسمي و تصير المسائل كالخواطر لا تغيب عن عقلي في كل حين فأنا آكل أو نائم أو أصلي أو أمشي ترد عليَّ الأجوبة و أتذكر كيفية الرد ،فأسرع لتدوين الفكرة.

إن علو الهمة يا شباب المستقبل يستلزم الجد ،و مغالبة النفس ، وحبسها على الطلب ،و الترفع عن محقرات الدنيا و الإقبال كلية على العلم بدون تردد .
على طالب العلم أن يستفز نفسه لتطلق طاقتها ،و علو الهمة هو سياط اللوم و التأنيب التي تجلد النفس على الكسل و الخمول ،وتزجر القلب لينهض بالبدن من حضيض النمو إلى الاجتهاد و المجاهدة
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ : فمن علت همته، وخشعت نفسه اتصف بكل خلق جميل، ومن دنت همته، وطغت نفسه اتصف بكل خلق رذيل.
ومن أجمل ما قيل في علو الهمة قول ابن دقيق العيد ـ رحمه الله ـ
لجسم تذيبه حقـــوق الخدمه *** والنفس هلاكها علو الهمة
والعمر بذاك ينقضي في تعب *** والراحة ماتت فعليها الرحمة


هذا ما يمكننا أن نقوله عن علو الهمة في طلب العلم ، خاصة علوم الاجتهاد.

ثم قال الحطاب :ولا أعدِلُ عن عبارة الشَّرحِ المذكورِ إلاَّ لتغييرها بأوضحَ منها،أو لزيادة فائدةٍ،وسمًّيتُه (قُرَّةَ العَيْنِ لِشَرْحِ وَرَقَاتِ إِمَامِ الحَرَمَيْنِ)
واللهُ سبحانه المسؤول في بلوغ المأمول،وهو حسبي ونعم الوكيل.
قلت :من أشهرِ وأفضلِ الشُروحِ للورقاتِ شرحُ جلالِ الدين المحلِّي(790/864)، وقد اعتمدَ عليه الحطابُ، ولم يغيِّر منهُ كثيرا.
نظَّم متنَ الورقات في قصيدة شعرية الشيخُ شرفُ الدِّين العِمريطيُّ الشافعيُّ في 211 بيتًا.
ثم ذكر الحطاب ترجمة مختصرة للجويني ،ولأهمية ترجمة الجويني ـ رحمه الله ـ و التعريف بجهوده في أصول الفقه نُخصِّصُ لها حلقاتٍ مُفصَّلةً قبلَ الشُروعِ في شرحِ كتابِهِ(التلخيص) بعد الانتهاء من شرح هذا المتن بإذن الله تعالى الكريم.
يتبع.......

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 21-02-2012, 09:04
أبو سلمى رشيد أبو سلمى رشيد غير متواجد حالياً
مـشرف عام
 
تاريخ التسجيل: 26 - 12 - 2011
المشاركات: 2,372
أبو سلمى رشيد is on a distinguished road
افتراضي

جزاكم الله خيراً

__________________
الحمد لله
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 10-01-2013, 18:50
أبو عبد الرحمان العسكري أبو عبد الرحمان العسكري غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: 29 - 12 - 2011
المشاركات: 389
أبو عبد الرحمان العسكري is on a distinguished road
افتراضي

جزاكم الله خيرا. نرجو منكم متابعة النقل

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 20-01-2013, 20:06
أبو عبد الله أبو عبد الله غير متواجد حالياً
مدير عام
 
تاريخ التسجيل: 22 - 12 - 2011
الإقامة: الجزائر
المشاركات: 744
أبو عبد الله تم تعطيل التقييم
افتراضي

سيتم استئنافها عن قريب بحول الله

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 29-05-2014, 10:49
عبدالله سعد اللحيدان عبدالله سعد اللحيدان غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: 20 - 7 - 2012
الإقامة: لبنان
المشاركات: 382
عبدالله سعد اللحيدان is on a distinguished road
افتراضي

بارك الله فيكم

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاتصال بنا - http://m-nebrasselhaq.com/vb- الأعلى

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc. Trans by
الحقوق محفوظة لمنتديات نبراس الحق الإسلامية